ابن عجيبة
274
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولما قال تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ؛ ذكر من متّعه بها وغرته ، فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 76 إلى 77 ] إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( 76 ) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 77 ) قلت : « قارون » : غير مصروف ؛ للعجمة والتعريف ، ولو كان « فاعولا » ؛ من قرنت الشيء ، لا نصرف لخروجه عن العجمة . إِذْ قالَ : ظرف لبغى ، أي : طغى حين وعظ ، ولم يقبل ما وعظ به ، أو : يتعلق بمقدر ، أي : أظهر التفاخر بالمال حين قال له قومه : لا تفرح . و « ما » : موصولة ، و « إنّ مفاتحه » : صلته ، ولذلك كسرت . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى ؛ كان إسرائيليا ، ابن عم لموسى وابن خالته ، فهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوى بن يعقوب ، وموسى بن عمران بن قاهث . وكان يسمى « المنور » ؛ لحسن صورته « 1 » ، وكان آمن بموسى ، وكان أحفظ الناس للتوراة ، ولكنه نافق كما نافق السامري . فَبَغى عَلَيْهِمْ ، من البغي ، أي : الظلم : قيل : ملّكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم . أو : من البغي ، أي : الكبر ، أي : تكبر عليهم بكثرة ماله وولده ، وزاد عليهم في الثياب شبرا ، فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت يده . وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما الذي إِنَّ مَفاتِحَهُ ؛ جمع مفتح ، بمعنى المقلد ، أي : إن مقاليده لَتَنُوأُ أي : تثقل بِالْعُصْبَةِ ، الباء للتعدية ، يقال : ناء به الحمل : أثقله حتى أماله . والعصبة : الجماعة الكثيرة ، وكانت مفاتح خزائنه وقر ستين بغلا ، لكل خزانة مفتاح ، ولا يزيد المفتاح على إصبع . وكانت من جلود ، أي : مغاليقها . وقيل : معنى تنوء : تنهض بتكلّف ، ويكون حينئذ في الكلام قلب ؛ إذ العصبة هي التي تنوء بالمفاتح ، لا العكس ، قيل : وسميت أمواله كنوزا ؛ لأنه كان لا يؤدى زكاتها ، وبسبب ذلك عادى موسى أول عداوته . إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ ؛ لا تبطر بكثرة المال ؛ فرح إعجاب ؛ لأنه يقود إلى الطغيان . أو : لا تفرح بالدنيا ؛ إذ لا يفرح بها إلا من لا عقل له ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ : البطرين المفتخرين بالمال ، أو : الفرحين بزخارف الدنيا ، من حيث حصول حظوظهم وشهواتهم فيها . قال البيضاوي : الفرح بالدنيا مذموم مطلقا ؛ لأنه نتيجة حبها
--> ( 1 ) انظر تفسير ابن كثير ( 3 / 398 - 399 ) .